الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

21

الأقسام القرآنية

سؤال مهم ! تبيّن ممّا تقدّم أنّ اليمين إذا كانت صادقة فهي مكروهة كراهة شديدة ، ولذلك ورد الأمر باجتنابها في التعاليم الدينية ، ومع الالتفات إلى هذا الأمر يثار هنا هذا السؤال : لماذا أقسم اللَّه تعالى في كتابه الكريم بأقسام متعددة ؟ وطبقاً لما ورد في كتاب بحار الأنوار ، فقد وردت جملة « والذي نفسي بيده » في الجزء 16 من الكتاب المذكور فقط عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قرابة مائتين مرّة فلماذا كان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله يقسم بهذا القسم بهذه الكثرة ؟ ونرى من جهة أخرى أنّ أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام في نهج البلاغة يقسم مرات عديدة مثلًا ، يقول : « وَاللَّهِ لَوْ اعْطيتُ الْأقاليمَ السَّبْعَةَ بِما تَحْتَ أَفْلاكِها ، عَلى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ في نَمْلَةٍ أَسْلُبُها جُلْبَ شَعيرَة ما فَعَلْتُهُ » « 1 » . الجواب : إنّ القسم الذي يكره كراهة شديدة والذي تقدّم الكلام عنه فيما سبق يتعلق بالمسائل الشخصية ، وأمّا إذا كان موضوع القسم يتعلق بأمور تربوية مثلًا ، فلا إشكال فيه ، والأقسام الواردة في القرآن الكريم وروايات الأئمّة عليهم السلام هي من هذا القبيل ، وعليه إذا استعنا بالقسم لغرض تشويق الناس لأعمال الخير وحثهم على سلوك طريق الصلاح ، كأن نقول لهم : « قسماً باللَّه أنّ صلاة الجماعة أفضل بكثير من الصلاة الفرادى » أو نقول لغرض النهي عن المنكر : « قسماً باللَّه تعالى أنّ الرشوة تعتبر من الذنوب الكبيرة » وأمثال ذلك ، فلا يندرج مثل هذا القَسم في دائرة اليمين المكروهة ، بل تعدّ أمراً حسناً . النتيجة ، إنّ اليمين إذا كان من أجل بعض الأمور الشخصية والتي تعود للشخص نفسه فهي مكروهة ، وأمّا إذا كانت لغرض تربوي ومن أجل خدمة أفراد المجتمع فلا كراهة فيها ، والأقسام القرآنية هي من القسم الثاني .

--> ( 1 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 224 .